صديق الحسيني القنوجي البخاري

23

فتح البيان في مقاصد القرآن

بأن يبدلهم بعد الخوف أمنا ويبدل عدوهم من الأمن خوفا ، واختار ابن جرير أن هذا من باب الإخبار من اللّه عز وجل بأنه أملك لقلوب عباده منهم وأنه يحول بينهم وبينها إذا شاء حتى لا يدرك الإنسان شيئا إلا بمشيئته عز وجل . ولا يخفاك أنه لا مانع من حمل الآية على هذه المعاني ، وقال ابن عباس : يحول بين المؤمن وبين الكفر ومعاصي اللّه ، ويحول بين الكافر وبين الإيمان وطاعة اللّه ، وبه قال سعيد بن جبير والضحاك ومجاهد ، وقال السدي : يحول بين الإنسان وقلبه فلا يستطيع أن يؤمن أو يكفر إلا بإذنه وإرادته . قيل وهذا القول هو الذي دلت عليه البراهين العقلية لأن أحوال القلوب اعتقادات ودواع وإرادات ، وتلك الإرادات لا بد لها من فاعل مختار وهو اللّه تعالى ، فثبت بذلك أن المتصرف في القلب كيف شاء هو اللّه ، فالمعنى أنه يحول بين المرء وخواطر قلبه أو وإدراك قلبه بمعنى أنه يمنعه من حصول مراده أو يمنعه من الإدراك والفهم . وفي الشهاب أصل الحول كما قال الراغب : تغير الشيء وانفصاله عن غيره وباعتبار التغير قيل حال الشيء يحول ، وباعتبار الانفصال قيل حال بينهما كذا ، فحقيقة كون اللّه يحول بين المرء وقلبه أنه يفصل بينهما ، ومعناه الحقيقي غير متصور في حقه فهو مجاز عن غاية القرب من العبد لأن من فصل بين شيئين كان أقرب إلى كل منهما من الآخر لاتصاله بهما وانفصال أحدهما عن الآخر ، وهو إما استعارة تبعية فمعنى يحول يقرب أو تمثيلية . وقيل إن الأنسب أن يكون مجازا مركبا مرسلا لاستعماله في لازم معناه وهو القرب وليس ببعيد ، وقال أبو السعود : تمثيل لغاية قربه من العبد كقوله : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ ق : 16 ] وتنبيه على أنه مطلع على مكنونات القلوب ما عسى يغفل عنه صاحبها أو حث على المبادرة إلى اخلاص القلوب وتصفيتها قبل إدراك المنية فإنها حائلة بين المرء وقلبه ، أو تصوير وتخييل لتملكه على العبد قلبه بحيث يفسخ عزائمه ويغير نياته ومقاصده ويحول بينه وبين الكفر إن أراد سعادته ويبدله بالأمن خوفا وبالذكر نسيانا وما أشبه ذلك من الأمور العارضة المفوتة للفرصة اه . وقال الربيع بن أنس : علمه يحول ، وقال مجاهد : يحول حتى يتركه لا يعقل ، وعن الحسن قال : في القرب منه ، وعن عبد اللّه بن عمرو بن العاص قال : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « إن قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث شاء ثم قال اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك » « 1 » أخرجه مسلم ، وفي الباب أحاديث .

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في القدر حديث 17 . وأخرجه بلفظ : « يا مثبت القلوب ثبّت قلوبنا على دينك » ابن -